ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

192

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

وقد رأيت جماعة من أئمة الفقه لا يحققون أمر الكناية ، وإذا سئلوا عنها عبروا عنها بالمجاز ، وليس الأمر كذلك ، وبينهما وصف جامع ، كهذه الآية وما جرى مجراها ، فإنه يجوز حمل الماء على المطر النازل من السماء ، وعلى العلم ، وكذلك يجوز حمل الأودية على مهابط الأرض ، وعلى القلوب ، وهكذا يجوز حمل الزّبد على الغثاء الرابي الذي تقذفه السيول ، وعلى الضلال ، وليس في أقسام المجاز شيء يجوز حمله على الطرفين معا سوى الكناية . وبلغني عن الفراء النحوي أنه ذكر في تفسيره آية ، وزعم أنها كناية ، وهي قوله تعالى : وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال فقال : إن الجبال كناية عن أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وما جاء به من الآيات ، وهذه الآية من باب الاستعارة ، لا من باب الكناية ؛ لأن الكناية لا تكون إلا فيما جاز حمله على جانبي المجاز والحقيقة ، والجبال هاهنا لا يصح بها المعنى إلا إذا حملت على جانب المجاز خاصة ؛ لأن مكر أولئك لم يكن لتزول منه جبال الأرض ؛ فإن ذلك محال . وأما ما ورد منها في الأخبار النبوية فقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّه كانت امرأة فيمن كان من قبلنا ، وكان لها ابن عمّ يحبّها ، فراودها عن نفسها ، فامتنعت عليه ، حتى إذا أصابتها شدّة فجاءت إليه تسأله ، فراودها ، فمكنته من نفسها ؛ فلما قعد منها مقعد الرجل من المرأة قالت له : لا يحلّ لك أن تفضّ الخاتم إلا بحقه » فقام عنها وتركها ، وهذه كناية واقعة في موقعها . ومن ذلك أيضا قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « رويدك سوقك بالقوارير » يريد بذلك النساء ، فكنى عنهنّ بالقوارير ، وذاك أنه كان في بعض أسفاره وغلام أسود اسمه أنجشة يحدو ، فقال له : « يا أنجشة ، رويدك سوقك بالقوارير » وهذه كناية لطيفة . وكذلك ورد حديث الحديبية ، وذاك أنه لما نزل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على الركية جاءه بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من أهل تهامة ، فقال : تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا عداد مياه الحديبية معهم العوذ المطافيل ، وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت ، وهذه كناية عن النساء والصبيان ، والعوذ : جمع عائذ ،